أحمد بن محمود السيواسي

132

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

سورة الحجرات مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 1 ) نزل قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ) في قوم ذبحوا قبل أن يصلي النبي عليه السّلام صلاة العيد « 1 » ، أي يوم النحر فأمرهم النبي عليه السّلام أن يذبحوا آخر ، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه إلا أن تزول الشمس فإنه لا ذبح بعد الزوال ، بل يعطى للفقراء حيا ، وعند الشافعي رحمه اللّه يجوز الذبح إذا قضى من الوقت مقدار الصلاة « 2 » أو هو عام في كل قول وفعل في مجلس النبي عليه السّلام أن لا يسبقوه بالجواب والسؤال والعمل قبل إذنه عليه السّلام ، يعني أيها المؤمنون لا تعجلوا بتقديم أمر ( بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وهو مجاز ، أي بين يدي أمرهما ، يعني لا تفعلوا أمرا إذا أمرتم به قبل الوقت الذي أمرتم به فيه ولم يذكر المفعول ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم فيه منهيا عنه ، وقيل : « قدم » بمعنى تقدم « 3 » ، أي لا تسبقوا في فعل المأمور به قبل إذنهما ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) في مخالفة أمر اللّه ورسوله ( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ) لقولكم ( عَلِيمٌ ) [ 1 ] بحالكم . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 2 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا ) نزل فيمن رفع صوته لدى النبي عليه السّلام ، وهو ثابت بن قيس وكان في أذنه وقر وكان إذا تكلم رفع صوته ، وربما كان يكلم رسول اللّه عليه السّلام فيتأذى بصوته « 4 » ، وقيل : نزل فيمن كان يرفع صوته من المنافقين « 5 » ، فخاطب المؤمنين بالنهي ليندرج المنافقون تحت النهي ليكون الأمر أغلظ وأشق عليهم ، أي لا تعلوا ( أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ) إذا نطق ونطقتم ، بل اخفضوا الصوت لديه ولا تجاوزوا الحد الذي يبلغه صوته ( وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ) أي لا تدعوا له باسمه ( كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) أي كما يدعو بعضكم بعضا باسمه ، ولكن عظموه وقولوا يا رسول اللّه ويا نبي اللّه ، ولا تقولوا يا محمد ويا أحمد ، وقيل معناه : لا تجهروا له بالقول إذا كان صامتا ولكن تعمدوا في مخاطبته القول اللين كمخاطبة المهيب المعظم ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم « 6 » ( أَنْ تَحْبَطَ ) أي خافة أن تبطل ( أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) [ 2 ] أن ذلك يحبطها لاستخفاف النبي عليه السّلام لأن مستخفه يكفر به ، فقوله « أَنْ تَحْبَطَ » مفعول له يتعلق بالنهي الثاني عند البصري مقدرا إضماره في الأول ، وبالعكس عند الكوفي ، وأيا ما كان يرجع المعنى إلى أن الرفع والجهر يؤدي إلى حبوط العمل .

--> ( 1 ) عن الحسن ، انظر السمرقندي ، 3 / 260 ؛ والبغوي ، 5 / 195 ؛ والكشاف ، 6 / 11 . ( 2 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 6 / 12 . ( 3 ) هذا الرأي منقول عن الكشاف ، 6 / 11 . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر الكشاف ، 6 / 13 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 261 ؛ والواحدي ، 317 - 318 . ( 5 ) عن الحسن ، انظر الكشاف ، 6 / 13 . ( 6 ) هذا المعنى مأخوذ عن الكشاف ، 6 / 12 .